ابن قيم الجوزية
9
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
بشّر برسالة أخيه عليهما أفضل الصلاة والسلام ، وصدق به أخوه ونزهه عما قال فيه وفي أمه أعداؤه المغضوب عليهم من الافك والباطل وزور الكلام ، كما نزه ربه وخالقه ومرسله عما قال فيه المثلثة عباد الصليب ، ونسبوه إليه من النقص والعيب والذم . ( أما بعد ) : فان اللّه جل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره جعل الاسلام عصمة لمن لجأ إليه ، وجنة لمن استمسك به وعض بالنواجذ عليه ، فهو حرمه الذي من دخله كان من الآمنين ، وحصنه الذي من لجأ إليه كان من الفائزين ، ومن انقطع دونه كان من الهالكين وأبى أن يقبل من أحد دينا سواه ، ولو بذل في المسير إليه جهده واستفرغ قواه ، فأظهره على الدين كله حتى طبق مشارق الأرض ومغاربها ، وسار مسير الشمس في الأقطار ، وبلغ إلى حيث انتهى الليل والنهار ، وعلت الدعوة الاسلامية وارتفعت غاية الارتفاع والاعتلاء ، بحيث صار أصلها ثابت وفرعها في السماء فتضاءلت لها جميع الأديان ، وجرت تحتها الأمم منقادة بالخضوع والذل والاذعان ، ونادى المنادى بشعارها في جو السماء بين الخافقين : أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صارخا بالشهادتين ، حتى بطلت دعوة الشيطان ، وتلاشت عبادة الأوثان ، واضمحلت عبادة النيران ، وذل المثلثة عباد الصلبان ، وتقطعت الأمة الغضبية في الأرض كتقطع السراب في القيعان ، وصارت كلمة الاسلام العليا ، وصار له في قلوب الخلائق المثل الاعلى ، وقامت براهينه وحججه على سائر الأمم في الآخرة والأولى ، وبلغت منزلته في العلى والرفعة الغاية القصوى وأقام لدولته ومصطفيه أعوانا وأنصارا نشروا ألويته وأعلامه ، وحفظوا من التغيير والتبديل حدوده واحكامه ، وبلّغوا إلى نظرائهم كما بلّغ إليهم من قبلهم ، حلاله وحرامه ، فعظموا شعائره ، وعلموا شرائعه ، وجاهدوا أعدائه بالحجة والبيان حتى فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [ الفتح : 48 ] وعلا بنيانه المؤسس على تقوى من اللّه ورضوان إذ كان بناء غيره مؤسسا على شفا جرف هار ، فتبارك الذي رفع منزلته وأعلى كلمته وفخم شأنه وأشاد بنيانه وأذل مخالفيه ومعانديه ، وكبت من يبغضه ويعاديه ،